السيد محمد باقر الصدر
72
بحوث في علم الأصول
العموم ، فإنّ نفس الكلام يجري هنا فيه ، فإنّ العموم هنا لو كان بمقدمات الحكمة ، لكان قولنا : « أكرم علماء البلد » ، من قبيل قولنا : « أكرم عالم البلد » ، والمنظور إليه حينئذ طبيعة الجمع ، والمقدمات تنفي القيد ويسري الحكم حينئذ إلى تمام الأفراد عن طريق الانحلال ، بينما الوجدان قاض بأنّه في قولنا : « أكرم علماء البلد » ، يستحضر القائل الأفراد ، ثم يحكم . إذن لا مورد لمقدمات الحكمة . وأمّا الإجابة عنه حلا : فإنّه بناء على ما حقّقناه سابقا من دلالة « اللام » على التعيين ، يكون تفسير هذه الظاهرة واضحا ، وذلك لأنّ دلالة « اللام » على التعيين تقتضي الاستغراق ، أي كثرة ذات محدّد نوعي ، لا كمّي - وإن كانت لا تثبت ماهيّة ذلك المحدّد النوعي - وذلك لأنّ هذه الكثرة لها تعيّن صدقي ، وكلّ كثرة من هذا القبيل ، لها ذلك التعيّن ، ولذا لا يختلف حال أيّ محدّد نوعي عن محدّد نوعي آخر ، وتبقى « اللام » حياديّة من ناحية تعيّن شخصيّة ذلك المحدّد النوعي ، وحينئذ لو فرض أنّه وجدت قرينة نسمّيها مقدمات الحكمة ، ودلّت على أنّ ذلك المحدّد النوعي ، هو أوسع المحدّدات ، فنضم دلالة « اللام » على الاستغراق إلى القرينة المعيّنة والمشخّصة للمحدّد النوعي ، فيتكوّن لدينا رؤية لجميع الأفراد بنحو الإجمال . ومن هنا ، لا يقاس « أكرم عالم » ، على « أكرم العلماء » ، فإنّ الأول تعلّق الحكم فيه بالطبيعة ولا نظر له في مرحلة الكلام إلى الأفراد ، ولذا لا دال عليها . بينما الثاني ، الحكم فيه تعلّق بتمام الأفراد لوجود دليل وضعي يدل على الاستغراق ، لكنه مهمل من ناحية حدّه النوعي ، ودليل آخر عرفي ، بشخص ذلك المحدّد النوعي ، وحينئذ فسوف تتكوّن لدينا نظرة إجمالية إلى تمام الأفراد في مرحلة الكلام . وهذا سر الوجدان الذي نشعر به بالفرق ، ولا حاجة معه لفرض أنّ « اللام » موضوعة مباشرة للعموم .